ابن قيم الجوزية
75
الروح
ويقول الرب عز وجل : ردوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدته أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ، فيرد إلى مضجعه فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ، ويفحصان الأرض بأشعارهما فيجلسانه ثم يقال له : يا هذا من ربك ؟ فيقول : ربي اللّه ، فيقولان : صدقت ، ثم يقال له : ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام ، فيقولان : صدقت ، ثم يقال له : من نبيك ؟ فيقول : محمد رسول اللّه ، فيقولان : صدقت ، ثم يفسح له في قبره مد بصره ، ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب فيقول : جزاك اللّه خيرا ، فو اللّه ما علمت إن كنت لسريعا في طاعة اللّه بطيئا عن معصية اللّه ، فيقول : وأنت فجزاك اللّه خيرا فمن أنت ؟ فيقول : أنا عملك الصالح ، ثم يفتح له باب إلى الجنة فينظر إلى مقعده ومنزله منها حتى تقوم الساعة ، وإن الكافر إذا كان في دبر من الدنيا وقبل من الآخرة وحضره الموت ، نزلت عليه من السماء ملائكة معهم كفن النار وحنوط من نار قال : فيجلسون منه مد بصره ، وجاء ملك فيجلس عند رأسه ثم يقول : أخرجي أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى غضب اللّه وسخطه ، فتفرق روحه في جسده كراهية أن تخرج لما ترى وتعاين ، فيستخرجها كما يستخرج السفود من الصوف المبلول ، فإذا خرجت نفسه لعنه كل شيء بين السماء والأرض إلا الثقلين « 1 » ، ثم يصعد به إلى السماء فتعلق دونه ، فيقول الرب عز وجل : ردوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فترد روحه إلى مضجعه ، فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ويفحصان الأرض بأشعارهما أصواتهما كالرعد القاصف ، وأبصارهما كالبرق الخاطف ، فيجلسانه ثم يقولان : يا هذا من ربك ؟ فيقول : لا أدري ، فينادي من جانب القبر لا دريت ، فيضربانه بمرزبة من حديد ، لو اجتمع عليها من بين الخافقين « 2 » لم تقل ، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول : جزاك اللّه شرا ، فو اللّه ما علمت إن كنت لبطيئا عن طاعة اللّه سريعا في معصية اللّه ، فيقول : ومن أنت ؟ فيقول : أنا عملك الخبيث ، ثم يفتح له باب إلى النار فينظر في مقعده فيها حتى تقوم الساعة » رواه الإمام أحمد ومحمود بن أبي غيلان وغيرهما عن أبي النضر .
--> ( 1 ) أي الإنس والجن . ( 2 ) الخافقان : المشرق والمغرب لأن الليل والنهار يخفقان فيهما .